>
موضوعات إعلامية

الشائعات‏...‏ وأزمة إنفلونزا الطيور

بقلم‏: ‏د‏.‏عبد الهادي مصباح

لاشك ان الأزمات والكوارث ربما تفرز أفضل ما في البشر‏,‏ أو أسوأ ما فيهم‏,‏ ولأن المعادن النفيسة فقط هي التي تزداد لمعانا وتألقا بعد انصهارها في النار‏,‏ فإن الشعب المصري يظهر معدنه النفيس والرائع عندما يستشعر باقتراب الخطر منه‏,‏ صحيح اننا نتأخر كثيرا في رد فعلنا الإيجابي تجاه ما يواجهنا من أحداث جسام‏,‏ إلا أننا عندما نستشعر بأن بقاءنا أصبح مهددا‏,‏ فإننا نتحول الي مارد يحطم كل القياس والحسابات والأرقام القياسية ليقاتل من أجل البقاء والانتصار‏,‏ ولعل أبلغ دليل علي ذلك نصر اكتوبر‏1973,‏ حين اتخذنا الإيمان بالله‏,‏

والعمل الدؤوب‏,‏ والإرادة‏,‏ من خلال قيادة واعية سبيلا للنصر‏,‏ واجتمعنا علي قلب رجل واحد من أجل هدف واحد‏,‏ فانتصرنا بالرغم من أننا لم نكن الأقوي أو الأفضل تسليحا وتكنولوجيا‏,‏ وتكرر المشهد بصورة مختلفة مع الفريق القومي للكرة ولكن بنفس الروح والإصرار علي النصر‏,‏ ووصلنا من خلال تلك الجماهير المحتشدة بشبابها وأطفالها وشيوخها الي النهائي وحصلنا علي الكأس‏,‏ بالرغم من أننا لم نكن الأفضل‏,‏ ولكننا أدينا ما علينا بحب وعطاء وإرادة ودأب‏,‏ وكانت الفرحة الغامرة عندما احتضن كل مصري ومصرية علم مصر‏,‏ وغنوا مع السلام الوطني بلادي‏..‏

بلادي بعد ان تلاشت هذه الطقوس من أفنية معظم المدارس وبالذات الخاص منها‏,‏ إلا أنني مندهش ومتعجب من ردود أفعال الكثيرين تجاه الشائعات التي انطلقت كالنار في الهشيم‏,‏ والمصاحبة للإعلان عن ظهور بعض حالات انفلونزا الطيور في بعض الطيور في مصر‏,‏ فمن المنطقي ان يشعر الناس بالخوف بعد هذا الإعلان‏,‏ إلا ان هذا الخوف لابد وأن يتحول الي البحث عن الحقائق ونشرها بين الناس ـ والحق والإنصاف يقتضي ان أقول وأشهد من موقع التقييم العلمي لما يحدث‏,‏ أن التعامل مع هذه الازمة وإدارتها من جانب المسئولين جميعا كان علي درجة عالية من الكفاءة‏,‏

وبمستوي غير مسبوق من الصراحة والشفافية التي ذكرتنا بالفرق بين نظرتنا لأجهزة الإعلام وتصريحات المسئولين في عامي‏1973,1967,‏ فلماذا لانظل علي هذا المستوي الرائع من الحرفية والصدق مع الجماهير في كل الأزمات التي نواجهها‏,‏ وتماما مثل حكاية الشاب الذي كلما نزل ليستحم في النهر ادعي الغرق‏,‏ فيسارع الناس لإنقاذه فيتضح لهم انه يكذب عليهم ويسخر منهم‏,‏ حتي جاءت اللحظة التي غرق فيها بالفعل ولم ينقذه أحد لأنهم اعتقدوا انه يكذب عليهم هذه المرة أيضا‏,‏ لذا فقد اعتقد الناس ان مجرد الاعلان عن الاصابة بانفلونزا الطيور في‏4‏ محافظات‏,‏

وانتشارها من خلال أيام إلي أكثر من‏12‏ محافظة‏,‏ يعني ان العدوي قد دخلت مصر منذ فترة‏,‏ وان الاخفاء كان مقصودا بسبب اقامة فقبل الاعلان عن الاصابات الأولي يوم الجمعة‏17‏ فبراير‏,‏ كانت هناك خطة لتتبع مسارات الطيور المهاجرة من خلال اللجنة العليا لمكافحة انفلونزا الطيور التي يرأسها وزير الصحة‏,‏ ويوجد بها‏7‏ وزراء وممثلون عن الصحة العالمية‏,‏ ومنظمة الأغذية والزراعة‏,‏ وتم أخذ عينات من أكثر من‏37‏ ألف طائر منهم‏,‏ وكانت جميعها سلبية‏,‏ وعندما ظهرت النتائج الايجابية في ذلك اليوم‏,‏ اتصل وزير الصحة الدكتور حاتم الجبلي من امريكا بالدكتور زهير حلاج

ممثل منظمة الصحة العالمية في الثالثة صباحا لكي يخبره بتلك النتائج‏,‏ وقد أكد دكتور زهير في حديثه للإعلامية القديرة مني الشاذلي انه لم يحدث أي تأخير في الابلاغ من جهة مصر‏,‏ وان كافة الاجراءات التي اتخذت مواكبة تماما لإرشادات منظمة الصحة العالمية‏,‏ وهذا ما أكده لنا الوزير بنفسه في أكثر من لقاء تليفزيوني في برامج متعددة‏,‏ ثم نأتي الي الاشاعة الثانية عن امكانية انتشار المرض بسرعة في أكثر من محافظة دون ان يكون هناك إخفاء سابق للحقائق‏,‏ والرد بسيط وهو ان هناك الاف الأنواع من الطيور المهاجرة تأتي من مسارات متعددة للهجرة‏,‏ وليس من مكان واحد‏,‏

بعضها من الشمال‏,‏ وبعضها من الشرق‏,‏ وترسو علي أماكن متعددة علي امتداد وادي النيل‏,‏ وهي بالتأكيد تسير في أسراب متفرقة ليست بالطبع كالقطار ينبغي ان تقف تباعا وبالدور في مدن وادي النيل واحدة بعد الأخري‏,‏ حتي نستطيع ان نأتي بنصف مليون عسكري لكي يصطفوا علي الحدود لصيد هذه الطيور النافقة أو عكشها كما طلب طلعت السادات نائب مجلس الشعب في لقائه الكوميدي مع الإعلامي المتميز عمرو أديب وأحمد موسي في لقاء تليفزيوني ادعي فيه ان الحزب الوطني هو الذي اتي بانفلونزا الطيور الي مصر لكي يغطي علي كارثة العبارة‏,‏

ورفض النائب إزالة العشش التي تمتلكها أم محمد وأم ابراهيم من فوق اسطح ومناور المنازل وفي أفنية الريف‏,‏ فهل يعقل ان يصدر هذا الكلام غير العلمي في مثل هذا الوقت الحرج من نائب يمثل الأمة وليس أهل دائرته فقط الذين قد يقتنعون بكلامه الخطأ أكثر من الأطباء المسئولين‏,‏ وهل نسي المبدأ الديني بأن درء المفاسد للعام يقدم علي جلب المنافع للخاص‏,‏ وأيضا قول الله تعالي ولا تلقوا بأيديكم الي التهلكة؟ ويقفز سؤال اخر‏:‏ لماذا لم تتم حملات التوعية الإعلامية بنفس الكثافة الحالية قبل وصول المرض الي مصر؟

والإجابة في تقديري ان الرعب الإعلامي الذي سببه الإعلام في كافة وسائل الإعلام والميديا قد جعل كثير من الناس تحجم عن تناول الدجاج‏,‏ وانهارت صناعة الدواجن تماما بعد الاعلان عن وصول الفيروس الي مصر وانهار معها اقتصاد قوامه‏17‏ مليار جنيه‏,‏ وعمالة تزيد عن‏2‏ مليون مواطن سوف ينضمون الي طابور العاطلين في بلادنا‏,‏ مع ان أكل الدجاج البيض بعد طهيه لا ينقل عدوي الفيروس علي الاطلاق‏,‏ فهل كان من المفروض ان يحدث ما يحدث الان منذ‏4‏ أو‏6‏ شهور؟ وهل كان الناس انذاك سيصدقون ان انفلونزا الطيور لم تصل مصر

بعد هذا التكثيف الاعلامي‏,‏ وتنطلق شائعة اخري بأن هناك عشر حالات من البشر مصابة بانفلونزا الطيور ترقد في قصر العيني‏,‏ وتأكدت بنفسي من كذب هذا الادعاء من الدكتورة عالية عبد الفتاح رئيس قسم طب الحالات الحرجة التي أثق جدا في كلامها وعلمها والتي نفت ذلك تماما‏,‏ وتستمر الشائعات حتي تصل الي قمتها في شائعة تلوث مياه النيل‏,‏ وقد فندنا من قبل كيف ان ماء النيل المعالج بالكلور لايمكن ان ينقل العدوي‏,‏ وينبغي عدم القاء أي فضلات في المياه حفاظا علي الصحة العامة وتلوث البيئة‏,‏

وإذا كانت السيدة التي ترمي الدجاج النافق في المياه أمية وليس لديها وعي‏,‏ فهل لايوجد لديها ابن أو جار في المدرسة أو الجامعة‏,‏ أو عضو في أي من الأحزاب‏,‏ أو المحليات‏,‏ أو منظمات المجتمع المدني المتعددة‏,‏ لكي يعلمها كيف تتخلص من الطيور‏,‏ ويتطوع بتوصيلها الي الجهات المسئولة لإعدامها في حالة انشغالهم وعدم مقدرتهم علي الاستجابة لكل البلاغات‏,‏ ولماذا يستغل الجميع الموقف فيصل كيلو اللحم الي‏70‏ جنيها‏,‏ ويتضاعف سعر السمك‏,‏ وتباع أدوية في الصيدليات علي أنها للوقاية من الاصابة بالعدوي ـ

وهذا غير صحيح ـ بأسعار باهظة‏,‏ ثم تباع زجاجة المياه المعدنية بسبعة جنيهات يوم انتشار شائعة المياه الملوثة‏,‏ وعموما فالوقاية والوعي واتباع اساليب النظافة العامة هي أهم سبل الوقاية‏,‏ وليس هناك حتي الان دواء أو لقاح يمكن ان يقي من انفلونزا الطيور في أي من الطيور أو الانسان‏,‏ والأدوية الموجودة‏:‏ تاميفلو أو ريلينزا لاتستخدم قبل الاصابة بعدوي الفيروس في أول‏24‏ ـ‏48‏ ساعة‏,‏ وهناك لقاح تم تجريبه بنجاح علي الفئران وتم الإعلان عنه هذا الشهر في جامعة بتسبرج بالولايات المتحدة‏,‏ وأيضا علي الدجاج في مركز السيطرة علي الأمراض المعدية‏CDC,‏

وكانت نتائجه مباشرة‏,‏ مما جعلهم ينتقلون الي مرحلة تجريبه بشكل أوسع علي الطيور وعينات من البشر‏,‏ وفي انتظار الإعلان عن النتائج علينا ان نعدل سلوكياتنا الخاطئة‏,‏ ونتحد جميعا من أجل مواجهة هذه الأزمة‏,‏ قبل أن تتحول الي وباء بين البشر‏.‏

صحيفة الاهرام 26 / 2 / 2006

   الصفحة الرئيسية
   أخبار من مصر
   المرض فى العالم
   ماذا تعرف
   س و ج
   موضوعات إعلامية
   طرق الوقاية و العلاج
   صوتيات و مرئيات
   مواقع ذات صلة

   لاعلى                           كل ما يهمك عن أنفلونزا الطيور - أتصل بنا                    رجوع