>
موضوعات إعلامية

الشائعات.. الخطر والتصدي

بقلم‏: : صالح إبراهيم

عند التعامل مع الكوارث والأزمات.. تصبح الشائعة أخطر سلاح مصوب إلي قلب الوطن الاستسلام له.. لا يقلب الحقائق والموازين فقط.. لكنه يتسبب في علاج الأزمة الأصلية.. ربما إلي درجة المستحيل لأنه يخلق أزمات إضافية تجد من ينصت لها.. وربما اختار مطلق الشائعة والمخطط لها مجالا حيويا.. يبرجل خطط المواجهة ويزيد من الصعوبات والعراقيل أمامها.. مثل الشائعة التي انتشرت بعد خمسة أيام من الإعلان عن ظهور مرض أنفلونزا الطيور.. في بعض مزارع الدواجن بعدة محافظات.. وتمثلت الشائعة المخيفة في التأكيد علي تلوث الماء.. وتحذير بكل ثقة في استعمال ماء الصنبور.. ظهرت عبر رسائل المحمول والمكالمات التليفونية.. وزاد البعض في تفاصيل تؤكد ان هذه التحذيرات انطلقت في إدارات المدارس ولم تحدد بالطبع أية مدرسة ولكن الطوابير التي ظهرت فجأة أمام البقالين ومحال السوبرماركت تطلب الموجود من زجاجات المياه المعدنية.. قد تجيب عن عدة أسئلة وإن لم تستطع ذلك فهي تؤكد سيطرة ثقافة الاستغلال والمصلحة الضيقة علي سلوكيات المجتمع.. خاصة أن ما حدث بالنسبة لكراتين المياه.. جاء بعد ارتفاع غير طبيعي في أسعار اللحوم والأسماك عقب قرار إغلاق مزارع الدواجن.. وعشش التربية المنزلية وعدم تبادل الدواجن بين المحافظات والاقتصار علي الذبح داخل مجازر رسمية وبإجراءات خاصة.

وضمن ثقافة التهويل التي هي الأساس العضوي لاطلاق الشائعة.. ثم تحويرها وتنقيتها.. وإعادة صياغتها لتصبح أكثر تصديقا.. بنسبتها مثلا لمصدر معين.. نجد التعامل مع الأزمة بالخوف والرعب بدليل أن العثور علي طائر ميت بإحدي المدارس أثار الفزع في مدارس محافظة بأكملها.. وأن ما حدث في حديقة حيوان الجيزة من العثور علي بعض الطيور النافقة تم إغلاق جميع حدائق الحيوان أمام الجمهور.. نشر حالة من الذعر بين مربي طيور الزينة والذين يسكنون بجوار الأشجار العالية التي تستضيف آلاف الطيور مساء.. حتي أبوقردان صديق الفلاح لم ينج من الاتهام بالتسبب في الإصابة بأنفلونزا الطيور.. وحملت معظم البلاغات التي تتلقاها غرف العمليات بالمحافظات والخط الساخن "139 جمهورية" تحليلات تؤكد أن الشائعات هي الخطر الأكبر في هذه المرحلة.. يليها عدم وضوح الرؤية في التعامل بين المواطن والأجهزة الحكومية المعنية.. التي وضعته طرفا مهما في المعادلة بدون أن تحدد بدقة ملامح هذا الدور ودوائره.. علي جميع المستويات اعتبارا من الأسرة والمدرسة ومكان العمل والحي فالمدينة.. فالمحافظة.. حيث تختلف الواجبات من مواطن بالحضر عن مواطن القرية وسكان العشوائيات غير سكان الأبراج العالية.. والمحافظات التي تذخر بمزارع الدجاج غير الخالية منها.. ويؤكد هذا الاستنتاج ان آلاف البلاغات التي تلقتها الهيئة القومية لرصد الموقف كان معظمها ينطلق باستشعارات أكثر من بلاغات.. وكما أكد أنس الفقي وزير الإعلام اننا نواجه خطر الشائعات التي تتزايد بمعدلات كبيرة.. وقد تلقي الوزير شخصيا 187 شائعة في يوم واحد.. بثها مجهولون علي المحمول.. عن وجود إصابات بين مواطنين وليس الطيور فقط وقد تأكد أن جميعها خالية من الصحة لذلك طلب من رئيس هيئة الاستعلامات تشكيل مركز لرصد الشائعات ومواجهتها.. وطالب أن تكون الصحافة في مصر علي مستوي المسئولية بينما أكد أمين أباظة وزير الزراعة ان الرعب والفزع الذي يصيب الإنسان من أنفلونزا الطيور سببه عدم وصول المعلومات الضرورية والصحيحة للمواطنين.. وطالب بتعاون المواطنين كطرف ثالث في الأزمة مع الحكومة.. وبالطبع فالمواطن لا يتطلع إلي أوامر بقدر ما يحتاج لمساحة فهم والمزيد من المعلومات.. يساندها التحرك السريع لفحص البلاغات.

ورغم الميل الفطري للكثيرين لانتحال شخصية أبوالعريف.. إلا أننا بالنسبة لأنفلونزا الطيور.. لا تبدأ من مجهول.. في الذاكرة "الفرّه" التي نعرفها جميعا عندما تصيب مجموعة من الطيور والدواجن وتؤكد الصحة العالمية ان الفيروس كان ينتقل بين الطيور فقط حتي عام 1997 عندما سجلت أول إصابة في هونج كونج.. وتوالت الحالات في دول جنوب شرق آسيا.. ثم وصلت إلي تركيا والعراق ونيجيريا حتي طريق الطيور المهاجرة.. والحق يقال ان موضوع أنفلونزا الطيور ومعضلة البحث عن مصل واق.. والأفراد القليلين الذين ذهبوا ضحايا.. أحداث كانت دائما موضعا للاهتمام الإعلامي.. وبالتالي انتقلت بموضوعية للمواطن.. وايقظت بالنسبة له حاسة التنبه.. ومن هنا كان رد الفعل الإيجابي بعد الإعلان عن ظهور المرض.. وكشفت الحكومة عن خطة معتمدة في أكتوبر الماضي للمواجهة.. وشدد الرئيس حسني مبارك عقب ظهور الحالات المحدودة في 3 محافظات علي اتاحة الحقائق كاملة وبشفافية للمواطنين حتي يشاركوا أجهزة الدولة في التصدي لمخاطر المرض.

وكان من الصواب تخصيص غرفة عمليات مركزية لمتابعة التطور وإصدار بيان يومي مفصل يحتوي علي كل الحقائق.. وتستقبل بلاغات الاشتباه.. وكان أول إصدار للفرقة. الموجز المرجع عن أنفلونزا الطيور.. الذي أجاب ببساطة علي جميع الأسئلة التي تعرف بالمرض أخطاره وأعراضه وتداعياته.. والعلاج المناسب.. والمهمات والأجهزة المطلوبة ارتداؤها لمن يخالط البقع المحتملة.. والعادات الصحية المساعدة لعدم الإصابة بالمرض مصحوبا باحصائيات من الوفيات وحالات الإصابة بين البشر التي شهدتها الدول الأخري وبادرت المؤسسات البرلمانية في استدعاء الوزراء المختصين لإلقاء بيانات والرد علي طلبات الاحاطة لنواب الشوري والشعب والحق ان النغمة إيجابية واضحة تحترم المواطن.. ونبتعد عن التعتيم.. أو التهويل واثارة الفزع.. الأمر الذي يسقط أو يضعف من الشائعات ويحبط مهمتها الخبيثة فمن المؤكد اننا نحتاج هذه المرة.. وبعد تعامل مليء بالثغرات مع كوارث سابقة.. مثل غرق العبارات وزلزال أكتوبر وقطار الصعيد.. نحتاج إلي برنامج علاقات عامة.. تنسق فيه الجهود ونحشد الطاقات يركز علي دوائر ايجابية ضمن فئات المجتمع المدني وبمساعدة جميع الجهات وهيئات المجتمع المدني وعلي سبيل المثال نختار مزارع الدواجن وصناعتها الاستراتيجية المعرضة لخسارة 17 مليار جنيه وبطالة ل 2 مليون عامل يرعون 8 ملايين شخص.. نسمع عن اعفاءات ضريبية وقروض للمساندة.. وصندوق للكوارث وصرف التعويضات.. ولكننا نفاجيء بتصريح لمسئول في موقعه يؤكد أن الضرائب لن تتهاون في حقها وأن أداء الضريبة واجب علي الممول مهما كان يعاني منه من صعاب.. إذن علي برنامج العلاقات العامة اقتراح وسائل عملية لإنقاذ الصناعة وتوفير البدائل وفرص العمل المؤقتة للعاملين حتي رحيل الخطر.. وفي نفس الوقت فالأكثر عرضة للإصابة هم العاملون في مزارع الدجاج ومنتجو الدجاج والطيور الداجنة والتجار والناقلون والبيطريون والفنيون.. قائمة طويلة.. لماذا لا تستفيد من صندوق التصدي للبطالة الموجود بالفعل لدي وزارة القوي العاملة.. ولماذا لا نختصهم بالمهمات والأمصال ونوفر لهم المناخ الصحي لاستمرار جهدهم واسهامهم في الاقتصاد القومي.. وأن يظلون داخل المعادلة الاقتصادية ولايطردون خارجها.. هذه الجهود المشكورة لوزارات التربية والتعليم والصحة والإدارة المحلية والزراعة وغيرها.. لماذا لا توحد ضمن هذا البرنامج والإطار.. لماذا لا يتم التصدي الحقيقي لتجار البدائل الجشعين.. الذين رفعوا أسعار اللحوم والأسماك والبدائل الأخري دون مبرر.. لماذا لا يتم التوسع في المجازر المرخصة.. ونستقبل بشكل علمي وعملي إنتاج هذه المزارع حتي لا تغلق أبوابها.. لماذا لا يوحد الخطاب الإعلامي حول تناول البيض والدجاج.. طالما أن ذلك لا يحمل الخطر.. وأن الفيروس لا ينتقل للإنسان عبر تنفس مخلفات أو فضلات الجهاز التنفسي للطيور حية أو ميتة.. لماذا لا ننشر الوعي الصحي بين الناس.. ليتعرفوا علي الفروق الدقيقة بين الأنفلونزا العادية وأنفلونزا الطيور خاصة وأن الفيروس يموت عند 70 درجة مئوية في عدة دقائق وإذا ما قامت الأجهزة الحكومية بواجباتها.. واستقرت قدرات المواطن وثقته وركزت علي دوائر المنتصف للتوصل إلي الحل السعيد.. فإن المواطن هو الجندي الأول في معركة التصدي للشائعات والقضاء عليها بعدم التوقف عندها أو ترديدها.. وان يسدل الستار علي أبوالعريف وسحب الدخان بلا نار

صحيفة الجمهورية 27 / 2 / 2006

   الصفحة الرئيسية
   أخبار من مصر
   المرض فى العالم
   ماذا تعرف
   س و ج
   موضوعات إعلامية
   طرق الوقاية و العلاج
   صوتيات و مرئيات
   مواقع ذات صلة

   لاعلى                           كل ما يهمك عن أنفلونزا الطيور - أتصل بنا                    رجوع