أنفلونزا الطيور .. والالتزامات الدولية
بقلم :د.نبيل بشر
محام "خبير في القانون الدولي"
بعد ان استطاع العالم ان يهدأ من تهديد مرض جنون البقر باعتباره مشكلة عالمية تتصل بتحقيق الأمن الغذائي والصحة العامة للانسان منذ خمس سنوات عاد وباء أنفلونزا الطيور ليدق ناقوس الخطر ويزحف من الشرق الأقصي الي الأوسط الي مختلف المناطق علي الرغم من تحذيرات منظمة الصحة العالمية باتخاذ الاحتياطات الوقائية في مواجهة هذا الوباء علي الرغم من ان علماء القرن افادوا بأن اكتشافاتهم الطبية المتمثلة في خريطة الجينيوم سينتج عنها وضع حد للامراض والأوبئة. ومع ذلك ظهرت عدة فيروسات يتخوف ان تفتك بالناس في كل مكان ولم تجد مايحمله القانون من مسئولية تقع علي عاتق الحكومات والمنظمات الدولية والاهلية.
ولأن المخاوف من "انفلونزا الطيور" لاتقتصر علي بلد معين فان علي الدول وفقا لالتزاماتها الدولية الواردة بالمادة "56" من ميثاق الامم المتحدة التي يتعهد بمقتضاها جميع الاعضاء بان يقوموا منفردين او مشتركين بما يجب عليهم من عمل بادراك المقاصد المنصوص عليها في المادة "55" ومنها تيسير الحلول للمشاكل الصحية الدولية بالاضافة الي المادتين "11. 12" من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فإذا تقاعست هذه الدول عن تطبيق هذه الالتزامات الدولية القانونية فإنها تتعرض للمسئولية الدولية وما يترتب عليها من نتائج
وينطبق ذلك علي حالة تفشي انفلونزا الطيور من الناحيتين الغذائية والصحية ولذلك عليها ان تتخذ الاجراءات الكفيلة بوقف انتشار المرض قبل ان يصبح وباء من الصعب مقاومة آثاره فأعلن الاتحاد الاوروبي حظرا شاملا علي استيراد الطيور من تركيا ورومانيا اللتين قامتا باعدام آلاف الطيور بعد اكتشاف اصابتها بالانفلونزا بسبب هجرة الطيور عبر جبال الاورال التي تفصل قارتي آسيا وأوروبا.
كما رأت بعض الدول ان الحل هو وضع الطيور التي لديها في أماكن محمية ومغطاة في معزل عن الطيور المهاجرة في محاولة لحمايتها من التعرض لنقل العدوي اليها.
ومع هذا الالتزام الوارد في ميثاق الامم المتحدة والذي يؤكد تفاعل المصالح الخاصة لاعضائها بما يؤدي الي ظهور مصالح عامة وحاجات دولية مشتركة لاتستطيع المعاهدات الدولية ان تستوعب تنظيمها الا من خلال هيئات ومنظمات دولية متخصصة تعمل جنبا الي جانب الامم المتحدة نصت المادة "12" من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية علي التزام الدول الاطراف بكفالة حق كل فرد في المجتمع في اعلي مستوي ممكن بالصحة البدنية والعقلية ولذلك أنشأ المجلس الاقتصادي والاجتماعي عام 1985 لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بهدف إقامة حوار مثمر مع الدول الاطراف في العهد بخصوص كيفية تطبيق نصوصه.
وتتولي مسئوليات مشاكل الغذاء والصحة في العالم اثنتان من الوكالات الدولية المتخصصة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي يعقد معهما حسب المادة 18 من العهد مايلزم من ترتيبات كما توافيانه بتقارير عن التقدم المحرز في تحقيق مراعاة نصوص العهد الدولي التي تدخل في نطاق انشطتها.
وقد ورد في ديباجة دستور منظمة الاغذية والزراعة "الفاو" النص علي ضرورة رفع مستوي التغذية ومستوي المعيشة للسكان الخاضعين لاختصاص الدول الاعضاء وفي هذا الاتجاه اصدرت المنظمة الاعلان العالمي حول استئصال الجوع وسوء التغذية "1974" بناء علي قرار الجمعية العامة للامم المتحدة "رقم 3180 لعام 1973" والزم الاعلان كل دولة بالعمل علي ازالة العقبات التي تقف في سبيل انتاج الغذاء ولذلك فإنه تجب المواءمة بين موضوع توفير الغذاء وموضوع القضاء علي الامراض التي تقلل من الغذاء فعلي الرغم من ذلك لم يجر التنسيق بين منظمة الاغذية والزراعة والصحة العالمية مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي لادارة الازمة الناشئة عن خطر تفشي أنفلونزا الطيور.
وبعيدا عن الاجراءات المنفردة التي اتخذتها الحكومات لجأت الدول التي يتفشي فيها انفلونزا الطيور الي تعهدات بتبادل المعلومات ورا عن المرض مع الدول الاخري ومع منظمة الصحة العالمية كما خصصت الولايات المتحدة الامريكية نحو ثمانية مليارات دولار لمكافحة المرض.
ومع ان حظر استيراد الدواجن يعتبر وسيلة لايقاف انتشار المرض وهو ما فعلته بعض الدول الاوروبية الا ان منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة انتقدت الاجراءات الوقائية التي تقضي بمنع دخول منتجات الدواجن المستوردة من دول لم يظهر فيها الفيروس انطلاقا من مسئوليتها في توفير الغذاء لشعوب العالم وعلي أساس ان حظر استيراد الدواجن الذي لايميز بين الدول الموبوءة وغير الموبوءة مخالف لاسس منظمة التجارة العالمية والمعايير التي وضعتها المنظمة العالمية للصحة الحيوانية وتوصياتها وان الدول التي تقوم بطرق تعسفية لمنع دخول دواجن آتية من دول غير موبوءة تسهم في اضعاف الاسواق العالمية واختلال الاسعار واستندت المنظمة الي ان انفلونزا الطيور ليست مرضا ينتقل عبر الاطعمة والفيروس يموت عند الطهي بحرارة عالية وليست هناك اي مخاطر من الاصابة عند تناول الطيور والبيض المطهي جيدا.
إلا اننا نري ان الاجراءات الاحترزية والوقائية التي تفرضها مقتضيات الصحة تدخل في اطار الالتزامات الدولية والمصلحة العامة حتي لو تأثرت بها الاسواق العالمية نتيجة لانخفاض في استهلاك لحوم الدواجن والطيور وتأثير ذلك علي رجال الاعمال.
واذا كانت دول كثيرة قد اتخذت اجراءات وقائية بما في ذلك اعدام الآلاف من الطيور لاحتواء المرض وصرامة تطبيق اساسيات الامان الحيوي والشروط الصحية في التخلص من النافق والمخلفات والاشراف علي الاجراءات المتبعة في المحميات الطبيعية فان مواجهة هذا الوباء في الدول الفقيرة أكثر صعوبة لعدم توفر الدعم المالي لتنفيذ سياسات الوقاية والمقاومة لاسيما فيما يتعلق بشراء الامصال ازاء وباء يتحرك وينتشر بسرعة.
صحيفة
الجمهورية
12/ 3/ 2006
|